ابن عجيبة

626

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

في الأذواق والكشوفات ، يتجدد له في كل يوم وساعة ، حلاوة وكشف لم تكن عنده قبل ، بخلاف الملائكة ، فإنما يترقى كل واحد في كشف أسرار مقامه ، ويجد حلاوة في ذلك المقام لم تكن له قبل ، ولا ينتقل عنه ، فمن كان من أهل الخدمة زاده اللّه حلاوتها . ومن كان من أهل المراقبة فكذلك . ومن كان من أهل المشاهدة غلب عليه السكر و ؟ ؟ ؟ ان ، ولا يزيد على ذلك . وهم الطبقة العليا ، فلا منافاة بين كلام القوت وكلام البيضاوي ؛ لأن الترقي إنما هو في الأذواق والكشوفات ، لا في العلوم الغيبية ، ولا في الكمالات النفسية . فتأمله . وقال القشيري : الملائكة لا يتخطون مقامهم ، ولا يتعدّون حدّهم ، والأولياء مقامهم مستور بينهم وبين اللّه ، لا يطلع عليه أحد ، والأنبياء - عليهم السّلام - لهم مقام مشهور ، مؤيّد بالمعجزات الظاهرة ؛ لأنهم للخلق قدوة ، فأمرهم على الشهرة ، وأمر الأولياء على السّتر . ه . وقال الورتجبي : أهل البدايات في مقام الطاعات ، والأوساط في المقامات ، مثل التوكل والرضا ، والتسليم ، والمحبّون في مقامات الحالات والمواجيد ، وأهل المعرفة في مقام معارف ، ينقلون في المشاهدة من مقام إلى مقام ، ولا يبقى المقام للموحدين ، فإنهم مستغرقون في بحار الذات والصفات ، فليس لهم مقام معلوم ؛ لأن هناك لم يكن لهم وقوف ، حيث أفناهم قهر الجلال ، والجمال ، والعظمة ، والكبرياء ، عن كل ما وجدوا من الحق ، فيبقوا في الفناء إلى الأبد . ه . قلت : ما ذكر من الطبقات الثلاث هم العباد ، والزهاد ، وأرباب الأحوال ، وحالهم كحال الملائكة ، يمدّون في مقامهم ، ولا ينتقلون منه ، فلكل واحدة قوة في مقامه ، لا يطيقها العارف ، لكنه فاتهم بالترقي عنهم إلى مشاهدة الذات ، والترقي فيها أبدا . ثم قال الورتجبي في قوله تعالى : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ : لمّا كانوا من أهل المقامات المعلومات افتخروا بمقاماتهم في العبودية ، من الصلاة والتسبيح ، ولو كانوا من أهل الحقائق في المعرفة لفنوا عن ملاحظة طاعتهم ، من استيلاء أنوار مشاهدة الحق عليهم ، والاستغراق في بحار من الألوهية . قال بعضهم : لذلك قطعت بهم مقاماتهم عن ملاحظة المنّة ، حتى قالوا بالتفخيم : إِنَّا لَنَحْنُ ، فلما أظهروا سرائرهم عارضوا إظهار أفعال الربوبية بالمعارضة ، حتى قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها . ه . وكلامنا كله مع عامة الملائكة ، وأما المقربون ؛ فالأدب الإمساك عنهم - صلوات اللّه وسلامه عليهم . ثم رجع إلى الكلام مع قريش ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 167 إلى 182 ] وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ( 167 ) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 168 ) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 169 ) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 170 ) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 179 ) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ( 181 ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 182 )